صديق الحسيني القنوجي البخاري

268

فتح البيان في مقاصد القرآن

فالمقلد لا يصلح للقضاء وإنما يصح قضاء من كان مجتهدا متورعا عن أموال الناس ، عادلا في القضية حاكما بالسوية ، ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك ، ومن كان متأهلا للقضاء فهو على خطر عظيم وله مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدا في البحث . ويحرم عليه الرشوة والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضيا ، ولا يجوز له الحكم حال الغضب ، وعليه التسوية بين الخصمين إلا إذا كان أحدهما كافرا ، والسماع منهما قبل القضاء وتسهيل الحجاب بحسب الإمكان ، ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة والشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح ، وحكمه ينفذ ظاهرا فقط ، فمن قضي له بشيء فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع ، هذا ما ذكره الشوكاني في ( القول المفيد ) والمختصر المسمى ( الدرر البهية ) . فإن قلت إذا كان المقلد لا يصلح للقضاء ولا يحل له أن يتولى ذلك ولا لغيره أن يوليه ، فما تقول في المفتي المقلد ؟ . قال : إن كنت تسأل عن القيل والقال ومذاهب الرجال فالكلام في شروط المفتي وما يعتبر فيه مبسوط في كتب الأصول والفقه ، وقد أوضحها الشوكاني في إرشاد الفحول ونيل الأوطار ، والحافظ ابن القيم رحمه اللّه تعالى في أعلام الموقعين عن رب العالمين بما يشفي العليل ، ويروي الغليل ، فإن شئت الاطلاع والاستيفاء فارجع إلى هذه الكتب يتضح لك الحق من الباطل ، والخطأ من الصواب ولا تكن من الممترين . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 45 ] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 ) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ تقتل بِالنَّفْسِ إذا قتلتها وَالْعَيْنَ تفقأ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ يجدع بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ تقطع بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ تقلع بِالسِّنِّ معطوف على أنزلنا التوراة . بيّن اللّه سبحانه في هذه الآية ما فرضه على بني إسرائيل من القصاص في النفس والعين والأنف والأذن والسن والجروح ، وقد استدل أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا : إنه يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس ، وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم : إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع لنا ، وقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] ما فيه كفاية . وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا هل يلزمنا أم لا فذهب الجمهور إلى